فخر الدين الرازي

172

تفسير الرازي

أو انقص منه قليلاً * أو زد عليه ) * فكان الرجل لا يدري كم صلى وكم بقي من الليل فكان يقوم الليل كله مخافة أن لا يحفظ القدر الواجب وشق عليهم ذلك حتى ورمت أقدامهم وسوقهم ، فنسخ الله تعالى ذلك بقوله في آخر هذه السورة : * ( فاقرأوا ما تيسر منه ) * ( المزمل : 20 ) وذلك في صدر الإسلام ، ثم قال ابن عباس : وكان بين أول هذا الإيجاب وبين نسخه سنة ، وقال في رواية أخرى : إن إيجاب هذا كان بمكة ونسخه كان بالمدينة ، ثم نسخ هذا القدر أيضاً بالصلوات الخمس ، والفرق بين هذا القول وبين القول الأول أن في هذا القول نسخ وجوب التهجد بقوله : * ( فاقرأوا ما تيسر من القرآن ) * ( المزمل : 20 ) ثم نسخ هذا بإيجاب الصلوات ، وفي القول الأول نسخ إيجاب التهجد بإيجاب الصلوات الخمس ابتداء ، وقال بعض العلماء : التهجد ما كان واجباً قط ، والدليل عليه وجوه أولها : قوله : * ( ومن الليل فتهجد به نافلة لك ) * ( الإسراء : 79 ) فبين أن التهجد نافلة له لا فرض ، وأجاب ابن عباس عنه بأن المعنى زيادة وجوب عليك وثانيها : أن التهجد لو كان واجباً على الرسول لوجب على أمته لقوله : * ( واتبعوه ) * ( الأعراف : 158 ) وورود النسخ على خلاف الأصل وثالثها : استدل بعضهم على عدم الوجوب بأنه تعالى قال : * ( نصفه أو انقص منه قليلاً * أو زد عليه ) * ففوض ذلك إلى رأي المكلف وما كان كذلك لا يكون واجباً وهذا ضعيف لأنه لا يبعد في العقل أن يقول : أوجبت عليك قيام الليل فأما تقديره بالقلة والكثرة فذاك مفوض إلى رأيك ، ثم إن القائلين بعدم الوجوب أجابوا عن التمسك بقوله : * ( قم الليل ) * وقالوا ظاهر الأمر يفيد الندب ، لأنا رأينا أوامر الله تعالى تارة تفيد الندب وتارة تفيد الإيجاب ، فلا بد من جعلها مفيدة للقدر المشترك بين الصورتين دفعاً للاشتراك والمجاز ، وما ذاك إلا ترجيح جانب الفعل على جانب الترك ، وأما جواز الترك فإنه ثابت بمقتضى الأصل ، فلما حصل الرجحان بمقتضى الأمر وحصل جواز الترك بمقتضى الأصل كان ذلك هو المندوب والله أعلم . المسألة الثانية : قرأ أبو السمال * ( قم الليل ) * بفتح الميم وغيره بضم الميم ، قال أبو الفتح بن جني : الغرض من هذه الحركة الهرب من التقاء الساكنين ، فأي الحركات تحرك فقد حصل الغرض وحكى قطرب عنهم : قم الليل ، وقل الحق برفع الميم واللام وبع الثوب ثم قال : من كسر فعلى أصل الباب ومن ضم أتبع ومن فتح فقد مال إلى خفة الفتح . قوله تعالى : * ( إلا قليلاً * نصفه أو انقص منه قليلاً * أو زد عليه ) * . اعلم أن الناس قد أكثروا في تفسير هذه الآية وعندي فيه وجهان ملخصان الأول : أن المراد بقوله : * ( إلا قليلاً ) * الثلث ، والدليل عليه قوله تعالى في آخر هذه السورة : * ( إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه ) * ( المزمل : 20 ) فهذه الآية دلت على أن أكثر المقادير الواجبة الثلثان ، فهذا يدل على أن نوم الثلث جائز ، وإذا كان كذلك وجب أن يكون المراد في قوله : * ( قم الليل إلا